الجوهري

13

الصحاح

قليلة ، والزاد غث لا غناء فيه ؟ ثم إنك لتجد في هذا الأدب الحر الجديد ميلا إلى التزام قواف ورجوعا إليها ما أمكنهم السبيل ، وقد تجد القطعة التي " كتبها " صاحبها ذات وزن وقافية واحدة ، ولكنه كتبها بصورة أبعدتها عن أن تكون صدورا وأعجازا لقصيدة مألوفة . ثم إن صاحبها ليعمد إلى خرم في الوزن ، ومجافاة للمألوف فيه ، وكأن ذاك متعمد مقصود ليشهد على نفسه أنه جديد مجدد ، وأن أدبه " حر " طليق ، وأن " فنا " وحيلة في رسم أشطاره ليكفي أن يكون نمطا جديدا . وأنا أسأل طائفة من أصحابنا أهل " الحر " الجديد الآخذين به ، العائبين على القصيدة في أوزانها المعروفة وقوافيها أنها أدب ميت قاصر ، أو مومياء محنطة ، وليس خيالا " مجنحا " جديدا فأقول : لم يعمد هؤلاء المجد دون إلى اللون القديم الذي دعوه " العمودي " حين ينظمون في " مناسبة " وطنية ؟ ألم يقولوا : إن " العمودي " قاصر لا غناء فيه ، وإن " العمودي " لا يمكن أن يكون وعاء للجديد من الفكر ، ألم تكن " المناسبة الوطنية " موحية لفكر جديد وأدب جديد ولون جديد ؟ هذه سؤالات لم أتبين لها جوابا . أنا لا أنكر أن الكثير من الشعر الذي التزم فيه الوزن والقافية صناعة غثة وبضاعة بائرة ، وأنه رصف ميت مفتقر إلى كثير من عناصر الحياة ، غير أني أشعر - أيضا - أن شيئا كثيرا من جديد القوم مما يدعى " حرا " ضرب من كلام خلا من ظلال للمعاني ، بله الجديدة منها . ولا بد لي من أن أعود إلى القافية فأشير إلى أن غير العرب من الأمم السامية قد حاولوا أن يصنعوا صنيعهم ، فيكتبوا نثرهم مسجوعا . ثم إن اللغويين الأقدمين لما رأوا ما للقافية من مكان في نثر العرب وشعرهم ، عمدوا إلى تصنيف المصنفات في الموضوع ، فكانوا يجمعون الاسجاع في الأقوال المأثورة والأمثال وغيرها ، منوهين بهذا الضرب من فن النثر . وقد بلغ الامر إلى أن يصنعوا معجمات تشتمل على الألفاظ التي تنتهي بقافية واحدة ، مثل : الصغير ، والكبير ، والقدير ، والحقير ، وصدور ، ومصدور ، ومثل : جناب ، وإياب ورباب ، وعذاب ، هكذا استوفوا جل أبينة العربية ، ولم يكن غرضهم إلا جمع الأشباه والنظائر من الألفاظ التي جاءت على قافية واحدة . وعلى رأس هذه المصنفات كتاب ( التقفية في اللغة ) لأبي بشر بن أبي اليمان البندنيجي ( المتوفى سنة 284 ه‍ ) والكتاب من سلسلة إحياء التراث التي تصدرها وزارة الأوقاف في الجمهورية العراقية . وقد حققه وبذل فيه الوسع الدكتور خليل إبراهيم العطية ، وقد دبجه بتعليقات